أبي بكر جابر الجزائري

152

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

عن مكان يحيصون إليه أي يلجئون فلم يجدوا وهو معنى قوله تعالى فَنَقَّبُوا فِي « 1 » الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ « 2 » ؟ وقوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ « 3 » أي الذي ذكرنا من قوله وكم أهلكنا قبلهم من قرن لَذِكْرى أي موعظة يتعظ بها عبد كانَ لَهُ قَلْبٌ حيّ وألقى سمعه يستمع وَهُوَ شَهِيدٌ أي حاضر بكل مشاعره وأحاسيسه . وقوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها الأحد وآخرها الجمعة وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ أي نصب أو تعب ، هذا الخبر ردّ اللّه تعالى به على اليهود الذين قالوا أتم اللّه خلق السماوات والأرض في يوم الجمعة واستراح يوم السبت فلذا هم يسبتون أي يستريحون يوم السبت فرد تعالى عليهم بقوله وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ أي تعب ، إذ التعب يلحق العامل من الممارسة والمباشرة لما يقوم بعمله واللّه تعالى يخلق بكلمة التكوين فلذا لا معنى لأن يصيبه تعب أو نصب أو لغوب وقوله تعالى فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ أي فاصبر يا رسولنا على ما يقوله يهود وغيرهم من الكفر والباطل واستعن على ذلك أي على الصبر وهو صعب بالصلاة والتسبيح قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ « 4 » وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدبار النجوم فشمل هذا الإرشاد والتعليم الإلهي الصلوات الخمس « 5 » ، إذ قبل طلوع الشمس فيه صلاة الصبح وقبل الغروب فيه صلاة الظهر والعصر ومن الليل فيه صلاة المغرب والعشاء ، ولنعم العون على الصبر الصلاة ، ولذا كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، وقوله وَأَدْبارَ السُّجُودِ « 6 » أي بعد الصلوات الخمس سبح ربك متلبسا بحمده . نحو سبحان اللّه والحمد للّه واللّه أكبر . وقوله وَاسْتَمِعْ « 7 » يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ أي واستمع أيها الخاطب يوم ينادي إسرافيل من مكان

--> ( 1 ) ( النقب ) الثقب فالتنقيب مأخوذ منه ، ومعنى الآية أي : ذللوا وأخضعوا وتصرفوا في الأرض بالحفر والغرس والبناء ونحت الجبال وإقامة السدود والحصون وما إلى ذلك من مظاهر القوة في الأرض ولم يغن ذلك عنهم من اللّه شيئا وجاءهم الموت من حيث لا مهرب منه ولا محيص . ( 2 ) المحيص : مصدر ميمي من : حاص : إذا عدل عن الطريق وهرب فالمحيص : المهرب ، والاستفهام إنكاري وهو بمعنى النفي . ( 3 ) الإشارة إلى كل ما ذكر من الاستدلال والتهديد في الآيات السابقة والذكرى : التذكرة العقلية لمن توفر له ثلاثة شروط : القلب الحيّ وإلقاء السمع للإصغاء وحضور البال . ( 4 ) في الصحيح عن جرير بن عبد اللّه البجلي قال : كنا جلوسا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال : أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) ثم قرأ جرير ( وسبح بحمد ربك . . ) ( 5 ) وجائز أن يراد بها نوافل الصلاة فيكون الذي قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر ولكن ما في التفسير أولى وأصح وأنها الصلوات الخمس إذ السورة مكية ونزلت بعد فرض الصلوات الخمس . ( 6 ) قرأ نافع : وإدبار بكسر الهمزة ، وقرأ حفص وَأَدْبارَ بفتحها . ( 7 ) التعبير بالاستماع فيه معنى التشويق لما يسمع ، والمعنى ، أقم الصلاة وهي زادك إلى الدار الآخرة وانتظر موعد الجزاء فإنه كائن يوم ينادي المنادي للقيام للجزاء على الصبر والصلاة كما هو على الشرك والعصيان ، والآية تحمل التسلية وتدعو إلى الصبر والصلاة .